أو الأسباب التي تحول دون أداء المحاكم التجارية للغاية المقصودة من إنشائها ([11])إن الغاية من إنشاء المحاكم التجارية هي قيامها بدورها في حسم القضايا على نحو فعّال وسريع وإن المشكلة التي تعاني منها المحاكم التجارية أو القضاء التجاري هي عدم قيامه بالدور المطلوب منه في حسم القضايا على الوجه الفعال والسريع وهذه هي مشكلة القضاء بشكل عام في بلادنا وفي غيرها من البلدان ، ولكن هذه المشكلة عندما تظهر في القضاء التجاري يكون لها وقع أشد وذلك لانعكاساتها على التنمية والاستثمار إذ أن القضاء القوي الحاسم من الأسباب التي تؤدي إلى ازدهار التنمية والاستثمار والعكس يؤدي إلى العكس ، ولأجل إيجاد حل لهذه المشكلة لا بد من معرفة أسبابها أي معرفة المعوقات والصعوبات التي تحول دون أداء المحاكم التجارية للدور المطلوب منها قضائياً ، وهذه المعوقات منها ما هو موضوعي خارج عن القضاء ومنها ما يعود إلى التقنين أي القصور التشريعي ومنها ما هو ذاتي يعود إلى الإدارة القضائية .أولاً : الأسباب الموضوعية : وهي كما يلي:
1- ازدياد عدد القضايا وزيادة تنوعها بينما لم يقابل ذلك زيادة مطردة في عدد القضاة المتخصصين في القضايا التجارية لاسيما بعد إيقاف القبول بالمعهد العالي للقضاء وذلك للفترة (من 1995م إلى 2001م) .وازدياد القضايا وتنوعها ناتج عن عدة عوامل منها :أ – زيادة الأنشطة الاقتصادية والتجارية في البلد في جميع القطاعات التجارية والخدمية وخاصة زيادة عدد المصارف وزيادة عدد المعاملات التجارية والصناعية والخدمية وظهور معاملات جديدة لم تكن معهودة من قبل نتيجة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية وتطور العلوم والتكنولوجيا وزيادة وتنوع العلاقات والروابط التجارية والمالية الخارجية والداخلية ومن ثم ظهور معاملات وعقود جديدة لها طابع وطني شامل أو إقليمي أو دولي مثل معاملات المصارف وشركات الاستثمار والتنمية والمشروعات المشتركة وبراءات الاختراع وعقود التأمين وأعمال البترول المختلفة مع كل ما تتسم به من سمات فنية وعلاقات قانونية متعددة ومتشعبة بين أطراف عدة على المستوى الداخلي والخارجي .فإذا وضعنا في الاعتبار إلى جانب ذلك الزيادة في عدد السكان فإن كل ما سبق قد أدى إلى زيادة وتنوع المنازعات التجارية وهذا كله أدى إلى تراكم القضايا وتزاحمها وبالتالي عدم القدرة على حسمها بشكل فعال وسريع .
2- من الأسباب الموضوعية التي تؤدي إلى زيادة عدد المنازعات التجارية وبالتالي تنعكس على شكل بطء في السير في الإجراءات وعدم حسم القضايا على الوجه السريع ما يلي :أ – عدم قيام الجهات الأخرى بواجباتها المنصوص عليها في القوانين مثلاً بعض الشركات لا يوجد لديها ميزانيات معتمدة سنوياً ولا يتم نشر الميزانيات وفقاً للقانون ولا تصادق عليها الجمعية العمومية ولا يلتزم مجلس الإدارة بمواعيد دعوة الجمعية العمومية للانعقاد وغير ذلك من الأمور التي أوجبها القانون وأوجب على الجهة ذات العلاقة في وزارة التجارة متابعة ذلك فعدم متابعة الإدارة المختصة بوزارة التجارة لذلك يؤدي إلى عدم تقيد الشركات بذلك وهذا يكون سبباً للنزاع بين الشركاء في المستقبل .ب- عدم إعطاء ذوي الشأن المعلومات الحقيقة حول رأس المال وقيمة الحصص العينية والميزانيات وانتشار الشركات العرفية غير المشهرة وغير المسجلة والتي لا تمسك دفاتر منظمة ، وكل ذلك من أسباب زيادة المنازعات التجارية ، ومما يؤدي إلى البطء في حسمها.ج- عدم متابعة الجهات ذات العلاقة للكيانات القانونية المنشأة بالمخالفة للقانون.د- التدهور القيمي للعملة الذي أدى إلى إفلاس كثير من الشركات وهذا سبب لحدوث كثير من المشاكل خصوصاً مع غياب النصوص التي تعالج مسألة التدهور القيمي بشكل كامل ونظرة عامة ، وإن كان هناك معالجات جزئية لذلك في أحكام بعض العقود . كما أن التدهور القيمي للعملة يؤثر على مسألة تقييم أصول الشركة فقد تظهر الشركة أنها قد حققت ربحاً وهو في الحقيقة ناتج عن التدهور القيمي .هـ– عدم الموازنة في المصارف ما بين سعر الفائدة ونتائج النشاط المحقق في المشاريع الاستثمارية فارتفاع سعر الفائدة عن هامش الربح المحقق من الأنشطة التجارية الاستثمارية أو مساواته له قد أدى إلى نشوب نزاعات قضائية بين التجار والمصارف ناتجة عن عدم القدرة على سداد الالتزامات إذ أنه في أغلب الدول يكون سعر الفائدة منخفضاً عن هامش الربح ويكون الفارق بين فائدة الاقتراض والعوائد الربحية كبير حتى يعطى التاجر الفرصة لسداد التزاماته .و- الاستثمار في أذون الخزانة وأثره في ارتفاع سعر الفائدة والتأثير على ميادين الاستثمار الأخرى فمن اقترض من البنوك يواجه مشكلة ارتفاع سعر الفائدة وبالتالي يكون عرضة لعدم القدرة على السداد وهذا من عوامل ازدياد المنازعات التجارية .ز- عدم تفعيل السجل التجاري التابع لوزارة التموين والتجارة في قيد وإشهار التصرفات التجارية مع أهمية ذلك قانوناً بل إن التجار أنفسهم لا يولون التسجيل الأهمية التي أصبغها القانون عليه وهذا الخلل يؤدي إلى نشوء المنازعات مستقبلاً .ح- غياب الوعي القانوني لدى المجتمع وخصوصاً لدى بعض العاملين في النشاط التجاري وهذا يؤدي إلى إبرامهم عقوداً غير مستوفية للشروط أو إهمالهم في توثيقها وتسجيلها لدى جهة الاختصاص ودخولهم في معاملات غير واضحة المعالم والالتزامات وهذا كله له دور كبير في زيادة المنازعات التي تعرض على القضاء التجاري .ط- عدم تفعيل قانون التوثيق وتوثيق العقود توثيقاً صحيحاً وفصل التوثيق عن المحاكم بحيث يتولاه قانونيون متخصصون .ى- عدم الالتزام بنصوص قانون البنوك التي تمنع تحويل رأس المال إلى أصول بينما يجري العمل الآن في أخذ الضمانات العقارية بشكل واسع وهذا يؤدي إلى تجميد الأموال ويعرقل الاستثمار كما يؤدي إلى تورط البنوك في ضمانات عقارية فيها مشاكل كثيرة نتيجة لعدم انتظام السجل العقاري وهذا بدوره يؤدي إلى كثرة المنازعات التجارية ومن ذلك منازعات كثيرة معروضة على القضاء التجاري .ك- أنه لا يجوز لمجلس الإدارة في أي شركة الاقتراض أوبيع الأصول أو رهنها تأميناً للقرض طويل الأجل إلا بتفويض من الجمعية العمومية وأحياناً في الواقع العملي يحصل المخالفة لهذه الشروط وهذا يؤدي إلى حصول المنازعات مستقبلاً .ل- عدم قيام السجل العقاري بدوره كما يجب في التأكد من صحة ملكية العقارات المرهونة لمن رهنها فكل البنوك تقريباً تقرض عملاءها بناءً على عقود رهن موثقة تقيد لدى السجل العقاري وما لم يقم السجل العقاري بدوره في التأكد من صحة ملكية العقارات لمن رهنها فإن ذلك سيبقى عائقاً من عوائق التنفيذ مستقبلاً ويؤدي إلى تراكم القضايا في المحاكم .ونشير هنا إلى أمر جوهري يتعلق بالسجل العقاري الذي ويمثل إحدى الضمانات الهامة لاستقرار الملكية الخاصة في البلاد بالنسبة للعقارات حيث إن توثيق التصرفات القانونية يكون حجة بين أطرافه ، أما التوثيق في السجل العقاري ، فقيمته القانونية أنه يصبح حجة قانونية رسمية في مواجهة الكافة لا يمكن إنكارها أو جحودها، ولا يمكن أن يكون للسجل العقاري هذه الحجية البالغة إلى إذا استكملت في عملية التوثيق لديه إجراءات قانونية تشمل الأعمال المساحية والإجراءات القانونية معاً ، وللأسف الشديد أن الجميع يعيش وهما هو الاعتقاد موجود السجل العقاري في بلادنا بالصورة التي يوجد بها في البلدان الأخرى ، وفي الحقيقة أنه يوجد منذ عقود قانون للسجل العقاري وتوجد مصلحة للمساحة والسجل العقاري ولا شك أن هذه المصلحة قد حققت إنجازات طيبة في مجال المساحة ، ولكن فيما يتعلق بالسجل العقاري فإنها تقوم بتوثيق العقود التي يطلب منها توثيقها من قبل الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين مقابل رسوم تستفيد منها الخزينة العامة للدولة ولكن القيمة القانونية لما يثبته لا تتعدى القيمة القانونية لما يقوم به أمناء التوثيق لا غير وذلك لأن تحقيق الحجية القانونية في مواجهة الكافة لا يمكن أن يتم إلا بالالتزام بخطوات ما يعرف بالشهر العقاري وما يسبقه ويرافقه من إجراءات وإعلانات قانونية وخطوات قضائية ، ذلك أن أعمال السجل العقاري هي أعمال قانونية قضائية ولا تمثل الأعمال المساحية سوى عنصر من عناصرها ، ونظراً لأهمية السجل العقاري في استقرار الملكية وتخفيف حجم المنازعات بشأن الأراضي والعقارات فلابد من تقييم كامل لموضوع السجل العقاري وإصدار قانون السجل العيني والجوانب الإجرائية والتنظيمية المتعلقة به ([12]) وفي غياب السجل العيني تظل مشاكل العقارات كثيرة متزايدة وهذا بدوره يؤدي إلى كثرة القضايا التي تعرض على المحاكم ومنها القضاء التجاري .
3- من الأسباب الموضوعية التي تؤدي إلى صعوبة الفصل في القضايا بشكل حاسم ما يتعلق بقلة الإمكانات المادية للقضاء التجاري وهو قلة الموارد المتاحة الأمر الذي انعكس على عدم توفير العدد الكافي من المقرات والمباني ومتطلباتها وعدم الاستخدام الأمثل للمتوفر من الإمكانيات ولا شك أن هذا من الصعوبات التي تلعب دوراً هاماً في تعثر وبطء سير القضاء المدني والتجاري وغيرها ([13]) .
4- ومن ذلك عدم توفر إمكانيات تنفيذ الأحكام بل إنه حتى الشرطة القضائية لم توفر لها الإمكانيات اللازمة للقيام بدورها .
5- عدم تعاون بعض الجهات ذات العلاقة في تنفيذ الأحكام القضائية وفي تنفيذ أوامر القضاء .
6- من الأسباب الموضوعية ما يتعلق بالاستقلال القضائي ونترك هذا للورقة التي تتحدث عن استقلال القضاء .
7- عدم توفير المرتبات الكافية خصوصاً للكادر الإداري المساعد بل وعدم وجود أي تنظيم لمسألة الأعمال الإضافية خارج أوقات الدوام الرسمية .
8- وجود بعض المحكمين بل الكثير منهم الذين يحكمهم الأطراف ويصدرون أحكاماً غير مستوفية للشروط القانونية وبإجراءات يشوبها الخلل ويعود الخصوم مرة أخرى إلى القضاء للنزاع حول هذه الأحكام أو حول تنفيذها وهذا مما يؤدي إلى كثرة المنازعات التجارية .
9- إلغاء قانون الرسوم القضائية أدى إلى كثرة القضايا الكيدية .
10- عدم قيام الأمناء بالدور الواجب عليهم عند كتابتهم للعقود بل ووجود بعض البصائر المتناقضة التي حررها أمين واحد في أرض واحدة يتم التنفيذ عليها مما يؤدي إلى عرقلة التنفيذ وعدم استيفاء طالب التنفيذ لحقوقه من قيمة الأرض .
ثانياً : الأسباب التي تعود إلى القصور في التشريع :لقد شهدت اليمن تطوراً ملحوظاً في تقنين أحكام الشريعة الإسلامية وفي التقنين بشكل عام انطلاقاً من أن شريعتنا الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان تجمع بين الثبات في الأصول والمرونة في الفروع ، وقد استفاد المقنن اليمني من الاتجاه الذي نحاه القانون المدني رقم (14) لسنة 2002م الذي نص في المادة 13 منه على أن الأصل في العقود والشروط الإباحة والصحة ما لم تخالف الشرع وأن كيفيات العقود والشروط منها ما هو مسمى ومنها ما هو متروك للعرف والاجتهاد وأن الأصل فيها ما أقره الشرع ثم ما جرى به عرف الناس وتراضوا عليه ما لم يخالف حكم الشرع من تحليل حرام أو تحريم حلال (مادة 12 من نفس القانون) .ولقد شهد التقنين التجاري بالذات ثورة تشريعية إذ شهدت اليمن في الثلاثة العقود الماضية تطورات ملحوظة في مجال التشريع التجاري وتجلي ذلك في صدور عدد كبير منها يزيد على السبعين قانوناً صدر منها في الجمهورية العربية اليمنية سابقاً في الفترة من 1962م إلى 1990م ستة وثلاثون تشريعاً تجارياً وفي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سابقاً في الفترة من 1967م إلى 1990م عشرون تشريعاً تجارياً وبعد الوحدة المباركة وقيام الجمهورية اليمنية صدر منذ عام 1990م أكثر من تسعة عشر تشريعاً تجارياً ([14]) .ورغم هذه التشريعات أو القوانين الكثيرة العدد إلا أنه لايزال هناك قصور تشريعي يؤدي إلى بطء المحاكم في حسم القضايا ويتمثل ذلك فيما يلي :
1- حداثة التقنين التجاري مما يترتب عليه صعوبات تتعلق بحسن استيعاب نصوص القانون وتفسيرها مع قلة الخبرة وقصور فترة التجربة وانعدام الاجتهاد والفقه القانوني المساعد للقضاة من جهة أخرى .
2- قانون المرافعات الجديد رقم (40) لسنة 2002م لاشك أنه سد ثغرات كبيرة يواجهها القضاة في الواقع العملي والقضائي وشكل قفزة نوعية في الرقي بالإجراءات القضائية ولكن هناك بعض النقاط لاتزال بحاجة إلى مراجعة وتعديلات ومن ذلك بعض المواد المتعارضة أو غير المنسجمة مع بعضها في إطار السياق العام للقانون أو بعض المواد التي لا تتناسب مع الواقع العملي أو بعض الأمور في القانون لاتزال بحاجة إلى تطوير مثل نظرية الانعدام التي تعتبر وسيلة للحفاظ على صحة الإجراءات والأحكام ولكنها بحاجة إلى دراسة ([15]) .
3- هناك قصور تشريعي بالنسبة لإجراءات الإثبات خصوصاً مع وجود الوسائل الحديثة للإثبات التي لم ينظمها المقنن اليمني .
4- عدم وجود القوانين المنظمة لأعوان القضاة مثل قانون الخبراء .
5- هناك قصور في القوانين التجارية الموضوعية فيما يتعلق بعدم التقنين لبعض المعاملات الحديثة التي بدأت تنتشر في الواقع العملي مثل بطاقات الائتمان الفيزاكارت والتجارة الإلكترونية ومثل الشركات المهنية التي لا يوجد قانون ينظمها ومثل قانون سوق الأوراق المالية ( البورصة ) .
6- هذا الثراء التشريعي يشكل ميزة إلا أنه يشكل أحياناً عبئاً من حيث وجود عدم الانسجام والتناسق بين التقنينات ووجود النصوص المتناقضة والتي يكون لها تأثير سلبي في الواقع العملي والمنازعات .
7- عدم وجوب الرسوم القضائية بشكل يؤكد الجدية في النزاع وإلغاء قانون الرسوم القضائية السابق .
8- هناك بعض الثغرات القانونية الإجرائية التي يستغلها بعض من يريد إطالة الخصومة مثلاً الدفع بسبق ما يكذب الدعوى محضاً من الدفوع التي جعلها قانون المرافعات متعلقة بالنظام العام وأوجب الفصل فيها استقلالاً بينما ماهية هذا الدفع لا تتحقق في الواقع العملي إلا في مسائل نادرة ومع ذلك لم يُعْطَ القاضي سلطة تقديرية بإعطائه الحق في ضم هذا الدفع للموضوع .
9- القوانين الإجرائية لا تعطي القاضي سلطة واسعة في كثير من المسائل حتى يمكنه تسيير الخصومة كما يجب .
10- من العيوب التقنينية التي تؤدي إلى كثرة القضايا وازدحامها في المحاكم التجارية أن قرار إنشائها وسع نطاق اختصاصها الموضوعي والمكاني حتى أصبحت تدخل فيها قضايا كثيرة ونوعيات من القضايا التي من الأفضل أن تكون من اختصاص المحاكم المدنية ذات الولاية العامة ، ويقصر اختصاص المحاكم التجارية على القضايا التجارية البحتة .
11- من العيوب التشريعية أن نظام هيئة الحكم داخل المحكمة التجارية كان مشكلاً من ثلاثة قضاة وهذا وإن كان ضمانة لكنه كان يؤدي إلى بطء الإنجاز وعدم الانسجام وعدم تحمل المسئولية بينما الضمانة يحققها الاستئناف والمحكمة العليا ولذا فقد أحسن القرار الذي أعاد تشكيل المحكمة من قاض فرد .ولكن الملفت للنظر أنه حتى بعد تشكيل المحكمة التجارية من قاضي فرد وبعدد أربعة قضاة في أمانة العاصمة زاد إقبال الناس على هذه المحاكم ، إذ أن الوارد من القضايا على المحكمة التجارية بأمانة العاصمة في هذا العام حتى التاريخ يفوق الوارد في العام الماضي ، ولعل ذلك لأن الناس أدركوا أنه بتشكيل المحكمة من قاضٍ فرد وبذلك العدد أصبح السير في الإجراءات سريعاً فأقبلوا على هذه المحاكم بقضاياهم التي كانوا لا يرفعونها إلى القضاء خوفاً من البطء في التقاضي.
ثالثاً : الأسباب التي تعود إلى الإدارة القضائية :هناك عوامل ذاتية تعوق أداء المحاكم التجارية تعود إلى الإدارة القضائية ومنها :
1- عدم الاستقرار القضائي نتيجة لعدم انتظام الحركة القضائية في مواعيدها ولا في معاييرها وهذا يؤدي إلى عدم اطمئنان القضاة وبالتالي يؤدي إلى عدم وجود الحافز النفسي للإنجاز والإبداع . بالإضافة إلى أنه كلما تمكن قاض في فهم القضايا المعروضة عليه يتم نقله فيأتي قاضي يحتاج إلى فترة حتى يلم بالقضايا المعروضة عليه والتي كانت معروضة على سلفه ثم يتم نقله وهكذا يتعطل دور المحاكم في الحسم السريع للقضايا ([16]) .
2- عدم الأخذ بنظام التخصص في الحركة القضائية يؤدي إلى البطء في الإنجاز فعندما يعين قاض في المجال الجنائي مثلاً يحتاج لمدة سنة أو أكثر حتى يلم بالقضايا الجنائية وعندما يصل إلى مرحلة الإلمام بها وبنوعياتها وبإجراءاتها يتم نقله إلى قسم آخر فيعود من البداية وهكذا يحدث في القضاء التجاري .
3- لقد كانت المحاكم التجارية تابعة للمكتب القانوني في إدارتها ثم بعد فترة أصبحت لها إدارة خاصة تهتم بشؤونها ثم ألغيت ثم أعيد تشكيلها مرة أخرى وعدم إعطاء هذه الإدارة دورها في الإشراف على المحاكم التجارية وبحث احتياجاتها وتنظيم شؤونها يؤدي إلى عدم انتظام العمل داخل المحاكم التجارية وهو ما يؤثر على الإنجاز بصورة غير مباشرة كما أن من العيوب والمشاكل انفصال هذه الإدارة في مبنى بعيد مستقل وفي مبنى محكمة لا علاقة لها بالقضاء التجاري .
4- عدم الاعتناء بالكادر المساعد في المحاكم التجارية من حيث إعطاؤه حقوقه من المكافآت والحوافز ومن حيث انتقاؤه بدقة من ذوي الخبرة ثم من حيث توفير الإمكانات المادية اللازمة له من المكاتب والكمبيوترات والإرشيف وغيرها ومن حيث تأهيله بالدورات التنشيطية أو التأهيلية التي تساعده على الرقي بأدائه .
5- عدم وجود آلية تنظم إدارة المحكمة ([17]) فلابد من لائحة تنظم ذلك لا سيما عند وجود أكثر من قاض داخل محكمة ولائحة المحاكم لا نجد لها تطبيقاً في الواقع .
6- عدم توافر العدد المناسب من المعلنين المؤهلين وعدم توفير الإمكانيات اللازمة لهم مثل وسيلة النقل .
7- افتقار المحكمة التجارية لكثير من المتطلبات الأساسية والضرورية اللازمة لتنفيذ عملها .
8- عدم توفر الإمكانات اللازمة للقضاة كالسيارات والحوافز والبدلات .
9- عدم إطلاع القضاة على القضايا أولاً بأول بسبب زحمة القضايا .
الحلـــــــول المقترحــــــــة
1- تعديل قرار إنشاء المحاكم التجارية بحيث يقصر اختصاصها على القضايا التجارية المحضة ويترك اختصاص بعض القضايا مثل القضايا التجارية التبعية وقضايا الإيجار للقضاء المدني وذلك حتى يخف الضغط على المحاكم التجارية وتتفرغ لحسم المنازعات التجارية التي لها علاقة مباشرة بالتنمية والاستثمار .
2- دعم الاستقلال القضائي للمحاكم التجارية بتطبيق النصوص التشريعية المتعلقة بذلك على الواقع ومنع كافة صور التدخلات التي يتعرض لها القاضي بصورة مباشرة وغير مباشرة سواءٌ من داخل السلطة القضائية أو خارجها .
3- دعم الاستقلال المالي والإداري للمحاكم التجارية .
4- تفعيل دور الإدارة العامة للمحاكم التجارية ونقل مقرها إلى مقر الشعبة الاستئنافية التجارية والمحكمة الابتدائية .
5- تزويد المحاكم التجارية بالجريدة الرسمية والقوانين الصادرة أولاً بأول والمنشورات الصادرة عن الوزارة وتزويد المكتبات القانونية للمحاكم بالأحكام القضائية والفقهيه اليمنية والعربية واللوائح الوطنية والدولية المقرة للقوانين التجارية وكذا المجلات العربية والدولية المتخصصة بالقضاء التجاري .
6- توفير المتطلبات اللازمة للمحاكم التجارية من أجهزة الكمبيوتر وغيرها وتوفير السيارات لقضاة المحاكم وتوفير الحوافز والبدلات للقضاة وللكادر الإداري .
7- توفير وسائل المواصلات للمعلنين في المحاكم التجارية وعقد دورات تأهيلية لهم لرفع كفاءتهم .
8- تزويد المحاكم التجارية بكل المستجدات في القضاء التجاري مثل القواعد التجارية الدولية الموحدة في المجالات التجارية المختلفة والمستجدات في قواعد التجارة الدولية مثل الأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية ومشاريع لجان الأمم المتحدة للتجارة الدولية مثل أحكام الأوراق التجارية والشيكات والتحكيم وجهود جمعية القانون الدولي في المجال التجاري مثل توحيد الخسارات البحرية .
9- تشكيل لجنة متخصصة من كبار القضاة ذوي الخبرة والكفاءة في المجال التجاري ومن المختصين لمراجعة وتقييم التشريعات التجارية النافذة مثل القانون التجاري والقوانين الأخرى وبيان مدى انسجامها مع بعضها البعض من جهة ومدى تجاوبها مع المستجدات المحلية والدولية من جهة ثانية وتكلف هذه اللجنة بوضع مشاريع قوانين للمعاملات المستجدة في المجال التجاري وفي إجراءات المرافعات والإثبات بما يتلافى أوجه القصور الموجودة .
10- كما تكلف هذه اللجنة أيضاً بمتابعة وتشخيص مظاهر بطء الإجراءات وبطء سرعة الفصل في المنازعات التجارية وتقديم المقترحات للتغلب على تلك الأسباب .
11- العمل على اتخاذ أعوان القضاة اللازمين في كل محكمة تجارية وانتقائهم بعناية وعمل دورات تأهيلية وبسيطة لرفع مستوى أدائهم .
12- تدريب إدارة القلم في المحكمة المختصة باستلام الدعاوى بالقيام بفحص الدعاوى وإلزام مقدميها باستيفاء النواقص فيها قبل توزيعها إلى القضاة .
13- بحث ودراسة الجوانب المالية للمحاكم التجارية على نحو واقعي وموضوعي لكل محكمة على حده وتوفير كل ما تحتاجه للمحكمة وللقضاة وللإداريين مع مراعاة خصوصيات كل محكمة فمثلاً المحاكم في المناطق الحارة لا يمكن أن تتساوى مع المحاكم في المناطق الباردة فيما يخص نفقات الكهرباء ومن الضروري توفير أجهزة كمبيوتر مع العاملين عليها لكل محكمة تجارية .
14- طباعة الأحكام التجارية النموذجية وطباعة جميع الأحكام التجارية الصادرة عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا وموافاة القضاة التجاريين بها دورياً وذلك حتى يمكن إرساء مبدأ السوابق القضائية وتوحيد فهم نصوص التشريعات التجارية .
15- إنشاء قسم خاص في التفتيش القضائي للتفتيش على المحاكم التجارية ويراعى في المفتشين في هذا القسم أن يكونوا من ذوي الخبرة في القضاء التجاري حتى يتمكنوا من تحديد أوجه القصور في أداء القضاة التجاريين ومن ثم عمل دورات تنشيطية لهم للرفع من مستوى أدائهم .
16- الاستعانة المؤقتة بالخبرات القانونية القضائية والإدارية في المجال التجاري من الدول الشقيقة .
17- عدم هدر الخبرات القضائية اليمنية في مجال القضاء التجاري وإعادة تنظيمهم في المحاكم التجارية الاستئنافية وفي المحكمة العليا واستشارتهم في جميع شؤون القضاء التجاري .
18- رفع مشروع تعديل قانون الرسوم القضائية بما يضمن الجدية في رفع الدعاوى .
19- وضع خطة زمنية لمدة 3 سنوات لإنشاء مقرات ومباني خاصة بالمحاكم التجارية تليق بها ووضع التصاميم الخاصة بها والتي تستوفي جميع احتياجاتها وقبل ذلك البحث عن الأراضي اللازمة لذلك .
20- دعم الشرطة القضائية بما تحتاجه من الإمكانيات .
21- عقد اجتماعات خاصة ما بين وزارة العدل ورؤساء المحاكم الابتدائية التجارية والجهات التنفيذية ذات العلاقة لبحث معوقات تنفيذ الأحكام القضائية ووضع آلية لتنفيذ تلك الأحكام .
22- إعادة النظر في قانون التوثيق وفي آلية تنفيذه وفصل مكاتب التوثيق عن المحاكم ورفدها بالكادر القانوني اللازم للقيام بدورها .
23- رفع مقترحات إلى الجهات ذات العلاقة فيما يتعلق بالسجل العقاري العيني .
24- نرى أن يسبق الحركة القضائية دراسة ميدانية ومسح للقضايا الموجودة في المحاكم التجارية ومعرفة مدى ما يمكن للقاضي إنجازه خلال شهر مثلاً وبالتالي يمكن أن نعرف متوسط ما يمكن أن ينجزه القاضي خلال العام ثم يعين قضاة بالعدد الكافي لإنهاء التراكم في القضايا خلال عام واحد ثم بعد ذلك في الحركة القضائية التي ستليها يكون تعيين القضاة حسب متوسط الوارد من القضايا ومتوسط إنجاز القاضي .
25- تحقيق الاستقرار القضائي من خلال القيام بالحركة القضائية في موعدها المحدد وبمعايير تأخذ في الاعتبار تقارير التفتيش القضائي التي يقوم بها المفتشون الأكفاء والمحايدون والاستفادة من مبدأ التخصص في الحركة القضائية .
26- نقترح تشكيل هيئتين استئنافيتين تجاريتين في أمانة العاصمة حتى يمكن إنهاء القضايا المتراكمة .
27- وضع دليل إرشادي للإجراءات والمواعيد القضائية لأن ذلك يمثل ضرورة لترسيخ الممارسات والتقاليد القضائية الصحيحة .
28- عمل دورات تخصصية داخلية وخارجية للقضاة التجاريين تشمل إطلاعهم على تجارب الآخرين وعلى مستجدات القضاء التجاري وعلى الوسائل الحديثة في حل المنازعات التجارية .
29- أن يحرص القضاة على دراسة القضايا أولاً بأول ويحرصوا على توجيه إجراءات القضية وعلى أن لا تزيد الجلسات في اليوم الواحد عن عشر جلسات لأن الزيادة على ذلك تؤدي إلى عدم قدرة القاضي على الإطلاع على القضايا وبالتالي عدم قيامه بدوره الإيجابي في توجيه إجراءات التقاضي.
30- الاهتمام بالمعهد العالي للقضاء وتوفير الإمكانيات اللازمة له التي تمكنه من القيام بدوره في تأهيل أعضاء السلطة القضائية قضاةً وأعضاء نيابة ، وكذلك الكادر المساعد وفي عقد الدورات التنشيطية التي تساهم في معالجة أوجه القصور لديهم والرفع من كفاءتهم وذلك بالتنسيق مع التفتيش القضائي ، فالمعهد العالي للقضاء هو الرافد الذي أمد السلطة القضائية بالقضاة والمعاونين طيلة العقود الماضية ولايزال كذلك.
31- أن يحتوي برنامج الدراسة في المعهد العالي للقضاء على المواضيع التجارية المستجدة ، إضافة إلى ما يحتويه أصلاً من المواضيع التجارية . وأن ينص في برنامج التدريب في المعهد العالي للقضاء على كون جزء منه في المحاكم التجارية بصورة إلزامية .
32- التحري والدقة في الموافقة على الأمناء كتبة العقود وعقد دورات تدريبية لهم في المعهد العالي للقضاء بالتنسيق مع إدارة الأمناء بوزارة العدل والرقابة عليهم في أدائهم لمهنتهم .وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


11:29 ص
law-faroq

1 التعليقات:
إرسال تعليق